أبي منصور الماتريدي

72

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

فإن أحصرتم : عن الحج ، فأردتم أن تحلوا فاذبحوا ما استيسر من الهدى ؛ إذ الإحصار « 1 » نفسه لا يوجب الهدى ، لكنه إذا أراد الخروج منه يخرج بهدى « 2 » ؛ وعلى ذلك يخرج

--> ( 1 ) من معاني الإحصار في اللغة : المنع من بلوغ المناسك بمرض أو نحوه ، وهو المعنى الشرعي أيضا ، على خلاف عند الفقهاء فيما يتحقق به الإحصار . وقد استعمل الفقهاء مادة ( حصر ) بالمعنى اللغوي في كتبهم استعمالا كثيرا ، ومن أمثلة ذلك : قول صاحب « تنوير الأبصار » وشارحه في ( الدر المختار ) : ( والمحصور فاقد الماء والتراب الطهورين ، بأن حبس في مكان نجس ، ولا يمكنه إخراج مطهر ، وكذا العاجز عنهما لمرض - يؤخر الصلاة عند أبي حنيفة ، وقالا : يتشبه بالمصلين وجوبا ، فيركع ويسجد إن وجد مكانا يابسا ، وإلا يومئ قائما ثم يعيد ) . ومنه أيضا قول صاحب ( تنوير الأبصار ) : ( وكذا يجوز له أن يستخلف إذا حصر عن قراءة قدر المفروض ) . وقال أبو إسحاق ( الشيرازي ) : ( ويجوز أن يصلى بتيمم واحد ما شاء من النوافل ؛ لأنها غير محصورة ، فخف أمرها ) . إلا أنهم غلبوا استعمال هذه المادة ( حصر ) ، ومشتقاتها في باب الحج والعمرة للدلالة على منع المحرم من أركان النسك ؛ وذلك اتباعا للقرآن الكريم ، وتوافقت على ذلك عباراتهم حتى أصبح ( الإحصار ) اصطلاحا فقهيا معروفا ومشهورا . ويعرف الحنفية الإحصار بأنه : هو المنع من الوقوف بعرفة والطواف جميعهما بعد الإحرام بالحج الفرض ، والنفل ، وفي العمرة عن الطواف . وهذا التعريف لم يعترض عليه . ويعرفه المالكية بأنه : المنع من الوقوف والطواف معا أو المنع من أحدهما . ويمثل مذهب الشافعية هذا التعريف الذي أورده الرملي الشافعي في ( نهاية المحتاج ) ، ونصه : ( هو المنع من إتمام أركان الحج أو العمرة ) . وينطبق هذا التعريف للشافعية على مذهب الحنابلة في الإحصار ؛ لأنهم يقولون بالإحصار عن أىّ من أركان الحج أو العمرة ، على تفصيل يسير في كيفية التحلل لمن أحصر عن الوقوف دون الطواف . واختلف الفقهاء في المنع الذي يتحقق به الإحصار هل يشمل المنع بالعدو والمنع بالمرض ونحوه من العلل ، أم يختص بالحصر بالعدو ؟ فقال الحنفية : الإحصار يتحقق بالعدو ، وغيره : كالمرض ، وهلاك النفقة ، وموت محرم المرأة أو زوجها في الطريق ، ويتحقق الإحصار بكل حابس يحبسه - يعنى المحرم - عن المضي في موجب الإحرام . وهو رواية عن الإمام أحمد . وهو قول ابن مسعود ، وابن الزبير ، وعلقمة ، وسعيد بن المسيب ، وعروة بن الزبير ، ومجاهد ، والنخعي ، وعطاء ، ومقاتل بن حيان ، وسفيان الثوري ، وأبي ثور . ومذهب المالكية : أن الحصر يتحقق بالعدو ، والفتنة ، والحبس ظلما . كذلك هو مذهب الشافعية والمشهور عند الحنابلة ، مع أسباب أخرى من الحصر بما يقهر الإنسان ، كمنع الزوج زوجته عن المتابعة . واتفقت المذاهب الثلاثة على أن من يتعذر عليه الوصول إلى البيت بحاصر آخر غير العدو ، كالحصر بالمرض أو بالعرج أو بذهاب نفقة ونحوه - أنه لا يجوز له التحلل بذلك . لكن من اشترط التحلل إذا حبسه حابس له حكم خاص عند الشافعية والحنابلة . وهذا القول ينفى تحقق الإحصار بالمرض ونحوه من علة ، وهو قول ابن عباس وابن عمر وطاوس والزهري وزيد بن أسلم ومروان بن الحكم . ينظر : نهاية المحتاج ( 2 / 473 ) ، تحفة المحتاج ( 4 / 200 ) ، فتح القدير ( 2 / 295 ) . ( 2 ) الهدى : هو ما يهدى إلى الحرم من حيوان وغيره . لكن المراد هنا وفي أبحاث الحج خاصة : ما يهدى إلى الحرم من الإبل والبقر والغنم والماعز خاصة . -